لم يعد الجهل اليوم مجرد نقص في المعرفة، بل أصبح في كثير من الأحيان صوتًا مرتفعًا يتصدر المشهد، يفرض نفسه على الناس، ويتحدث بثقة أكبر من أصحاب العلم والخبرة. الأخطر من الجهل نفسه هو “التكلم بجهل”، حين يتحول الإنسان إلى مصدر للمعلومات والآراء دون فهم حقيقي لما يقول، فيضلل غيره وربما يدمر حياة أشخاص بكلمة أو إشاعة أو رأي غير مسؤول.
في الماضي، كان من لا يعلم يصمت، أما اليوم فالبعض يرى أن الصمت ضعف، وأن عليه أن يبدي رأيه في كل قضية حتى لو كان لا يملك عنها أي معرفة. بضغطة زر، يتحول شخص عادي إلى “خبير” في السياسة، وطبيب في الصحة، ومحلل اقتصادي، ومفتي في الدين، وكل ذلك دون دراسة أو تجربة أو حتى قراءة بسيطة. والأسوأ أن هناك من يصدقهم، لأن الثقة في الكلام أصبحت أحيانًا أهم من صحة الكلام نفسه.
كم من إشاعة انتشرت بسبب شخص تكلم بجهل؟
كم من إنسان تعرض للظلم لأن أحدهم نقل معلومة غير مؤكدة؟
وكم من شخص خسر صحته أو أمواله أو سمعته بسبب نصيحة خاطئة خرجت من فم لا يعرف خطورة ما يقول؟
إن الكلمة ليست شيئًا بسيطًا كما يعتقد البعض، بل قد تكون رصاصة لا تُرى. قد تقتل سمعة، أو تهدم علاقة، أو تشعل فتنة، أو تدفع إنسانًا إلى قرار يندم عليه طوال عمره. هناك أشخاص يتحدثون بلا وعي ثم يختفون، بينما يبقى الآخرون يدفعون ثمن كلامهم.
وفي زمن السوشيال ميديا، أصبحت الكارثة أكبر. أي شخص يستطيع نشر معلومة خلال ثوانٍ لتصل إلى آلاف وربما ملايين الناس، دون رقابة أو تحقق. البعض يشارك الأخبار الكاذبة فقط لأنه يريد التفاعل والمشاهدات، والبعض يناقش قضايا خطيرة وهو لا يعرف عنها إلا العنوان. وهكذا يتحول الجهل إلى وباء إلكتروني ينتشر بسرعة الضوء.
الأخطر أن المتكلم بجهل غالبًا لا يشعر بخطئه. بل يتحدث بثقة واستفزاز، ويهاجم كل من يخالفه، وكأن الصوت العالي دليل على الحقيقة. بينما أهل العلم الحقيقيون غالبًا يتحدثون بحذر، لأنهم يعرفون حجم المسؤولية. الإنسان الجاهل قد يجيب عن كل شيء، أما العاقل فيعرف حدود معرفته.
وليس المقصود هنا أن يمتنع الناس عن إبداء آرائهم أو المشاركة في النقاشات، لكن هناك فرق كبير بين الرأي المبني على معرفة، والكلام العشوائي المبني على الظنون والتقليد والانفعال. فمن حقك أن تناقش، لكن ليس من حقك أن تضلل الآخرين أو تنشر معلومات لا تعرف حقيقتها.
الدين أيضًا حذر من الكلام بلا علم، لأن الإنسان مسؤول عن كل كلمة يقولها. فكم من كلمة بدت صغيرة لكنها أشعلت مشاكل كبيرة. وكم من شخص ندم لأنه تكلم في وقت كان الصمت فيه نجاة. لذلك كان الحكماء دائمًا يقولون: “إذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب”، خاصة عندما يغيب العلم ويحضر التسرع.
ومن المؤسف أن بعض الناس اليوم يسخرون ممن يقول “لا أعلم”، رغم أن هذه الجملة دليل على النضج والصدق. الاعتراف بالجهل ليس عيبًا، بل العيب الحقيقي أن تتحدث وكأنك تعرف كل شيء وأنت لا تملك أدنى فكرة عما تقول.
إن المجتمعات لا تتقدم بكثرة الكلام، بل بصحة الكلام. فالعلم يبني، أما الجهل حين يتكلم فإنه يهدم ببطء، ويزرع الفوضى في العقول. لذلك يجب أن نتعلم ثقافة التحقق، وأن نسأل قبل أن ننشر، ونفكر قبل أن نتحدث، لأن كل كلمة تخرج منا قد تصنع أثرًا لا يمكن إصلاحه.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم:
كم من المشاكل كان يمكن تجنبها لو أن البعض اختار الصمت بدل الكلام بجهل؟
ربما كثير جدً.. لأن أخطر أنواع الجهل ليس أن لا تعرف، بل أن تتحدث وكأنك تعرف كل شيء.





إرسال تعليق