لم يكن سكان بلدة “آشفورد” الصغيرة يتوقعون أن يتحول شتاء عام 1987 إلى كابوس حقيقي يُروى حتى اليوم.
فالبلدة الهادئة الواقعة على أطراف غابة “بلاك وود” كانت تعيش حياة بسيطة؛ عمال يذهبون إلى الغابة صباحاً، وأطفال يلعبون قرب الأكواخ الخشبية، وعائلات تجتمع ليلاً حول المدافئ هرباً من برد الشتاء القارس.
لكن في صباح يوم 14 ديسمبر، حدث شيء غامض غيّر كل شيء.
بداية الحكاية
في الساعة السادسة صباحاً، انطلقت شاحنة صغيرة تقل خمسة من عمال الأخشاب إلى عمق الغابة.
كانوا معروفين بين السكان بخبرتهم الطويلة، إذ قضوا سنوات يعملون داخل “بلاك وود” دون أن يتعرضوا لأي حادث خطير.
الطقس في ذلك اليوم كان سيئاً بصورة غير معتادة.
ضباب كثيف غطّى الأشجار العملاقة، والثلوج بدأت تتساقط مبكراً، بينما كانت الرياح تصدر صفيراً حاداً يشبه أنيناً بعيداً.
قبل مغادرتهم، قال أحد العمال ويدعى “جاكوب ميلر” لصاحب المقهى القريب:
> “هناك شيء غريب في الغابة هذه الأيام… الطيور اختفت، وحتى الذئاب لم نعد نسمع أصواتها.”
ضحك الجميع وقتها، واعتبروا الأمر مجرد خوف سببه الطقس.
لكن مع حلول المساء، لم يعد الرجال.
اختفاء بلا أثر
في البداية، ظنت العائلات أن العاصفة أعاقت عودتهم، لكن بعد منتصف الليل بدأ القلق يتحول إلى ذعر.
اتصلت زوجة أحد العمال بالشرطة، لتنطلق أولى عمليات البحث داخل الغابة.
يقول الضابط المتقاعد “روبرت هاينز”، الذي شارك في التحقيق:
> “دخلنا الغابة ونحن نتوقع العثور عليهم عالقين بسبب الثلوج… لكن ما رأيناه لم يكن طبيعياً أبداً.”
بعد ساعات من البحث، عثرت الفرق على الشاحنة متوقفة قرب منطقة معزولة تُعرف باسم “التل الأسود”.
المحرك كان لا يزال دافئاً، وكأن الرجال غادروها منذ دقائق فقط.
لكن المفاجأة كانت في الداخل.
أكواب القهوة ما زالت ساخنة جزئياً، وأدوات القطع مبعثرة على الأرض، بينما كان باب الشاحنة مفتوحاً بطريقة توحي بأن الجميع خرجوا بسرعة شديدة وكأنهم كانوا يهربون من شيء ما.
الدائرة الغامضة
على بعد أمتار قليلة من الشاحنة، اكتشف رجال الإنقاذ مشهداً أربك الجميع.
كانت هناك دائرة ضخمة من الأشجار المحترقة بالكامل، رغم أن الثلوج كانت تغطي الأرض من كل جانب.
الغريب أن النار لم تمتد خارج حدود الدائرة، وكأن شيئاً أحرق الأشجار بدقة غريبة.
داخل الدائرة وُجدت ساعات العمال الخمسة ملقاة فوق الثلج.
وعندما فحصها المحققون، اكتشفوا أن جميعها توقفت عند نفس الوقت:
3:17 فجراً.
يقول تقرير الشرطة الرسمي:
> “لم يتم العثور على أي آثار أقدام تغادر الموقع، رغم أن الثلوج كانت كثيفة بما يكفي لترك أثر واضح.”
الأمر بدا وكأن الرجال اختفوا فجأة من المكان.
الناجي الوحيد
بعد ثلاثة أيام من البحث، عثرت الشرطة على أحد العمال ويدعى “إيريك هولمز” بالقرب من نهر متجمد على بعد 7 كيلومترات من موقع الحادث.
كان الرجل شبه فاقد للوعي، وملابسه ممزقة، ويداه مليئتين بالخدوش.
لكن أكثر ما أثار الرعب هو حالته النفسية؛ فقد ظل يكرر جملة واحدة لساعات:
“لا تدعوها تخرج من بين الأشجار…”
في المستشفى، حاول المحققون استجوابه، لكنه كان يرتجف بصورة هستيرية كلما ذُكرت الغابة.
وبعد أيام من العلاج، أدلى بشهادته التي أصبحت لاحقاً واحدة من أشهر الروايات المرعبة في تاريخ الحوادث الغامضة.
قال إيريك:
“كنا نعمل بشكل طبيعي، ثم بدأنا نسمع صفيراً غريباً… لم يكن صوت ريح.
كان أشبه بنداء بعيد يأتي من عمق الغابة.
بعدها رأينا ظلالاً سوداء تتحرك بين الأشجار بسرعة مستحيلة.
فجأة انطفأت المصابيح، وبدأ الجميع يصرخون… ثم اختفوا واحداً تلو الآخر.”
وعندما سأله المحققون عمّا رآه تحديداً، صمت لعدة ثوانٍ قبل أن يقول:
“كانت هناك عيون تراقبنا من الظلام.”
تفسيرات لم تقنع أحداً
السلطات حاولت تهدئة السكان، وأعلنت أن العمال ربما تعرضوا لعاصفة ثلجية تسببت في فقدانهم للاتجاهات.
لكن الأهالي رفضوا الرواية الرسمية.
فكيف اختفت آثار الأقدام؟
ولماذا توقفت الساعات كلها في نفس التوقيت؟
وكيف احترقت الأشجار وسط الثلوج دون أن تمتد النار؟
انتشرت الشائعات بسرعة، وبدأ البعض يتحدث عن تجارب سرية، بينما قال آخرون إن الغابة “ملعونة” منذ قرون.
الأغرب من ذلك أن عشرات السكان أكدوا لاحقاً أنهم سمعوا ليلاً أصوات صفير غامضة قادمة من داخل “بلاك وود”.
الغابة التي يخشاها الجميع
بعد الحادثة، توقفت أعمال قطع الأخشاب تماماً في المنطقة.
وأصبح السكان يتجنبون دخول الغابة بعد غروب الشمس.
حتى اليوم، لا تزال “بلاك وود” مكاناً يثير الرعب.
السياح الذين حاولوا استكشافها تحدث بعضهم عن شعور غريب بالمراقبة، بينما ادعى آخرون أنهم شاهدوا ظلالاً تتحرك بين الأشجار رغم عدم وجود أحد.
أما القضية نفسها، فقد أُغلقت رسمياً ضد مجهول.
لكن السؤال الذي لم يجد له أحد إجابة حتى الآن هو:
ماذا حدث فعلاً داخل الغابة في تلك الليلة؟
وهل كانت حادثة اختفاء عادية…
أم أن شيئاً مجهولاً كان ينتظر بين الأشجار؟





إرسال تعليق