في آخر الحارة المنسية، حيث البيوت المتهالكة التي لا يطرق أبوابها سوى التعب، كان يعيش رجل اسمه “سالم”.
لم يكن يملك من الدنيا إلا غرفة ضيقة، وزوجة أنهكها المرض، وثلاثة أطفال تعلّموا الصمت مبكرًا لأن الجوع لا يحب الضجيج.
كان سالم يخرج كل صباح يبحث عن رزقه، لا عن حياة كريمة… فقط عن يوم يمر دون أن يرى دمعة في عين أطفاله.
أحيانًا يعود ببضعة جنيهات، وأحيانًا يعود بخيبة أكبر من قدرته على الاحتمال.
وفي الليل، حين ينام الجميع، كان يجلس وحده في الظلام، يخفي وجهه بين كفيه ويبكي بصمت…
ليس لأنه فقير، بل لأنه أب.
وأصعب أنواع العجز أن ترى من تحب يحتاج، ولا تملك شيئًا.
اقترب عيد الأضحى.
المدينة امتلأت بالأضواء، والأطفال يركضون خلف خراف العيد، والناس تتحدث عن اللحوم والولائم…
أما بيت سالم، فكان هادئًا بطريقة موجعة.
في إحدى الليالي، سمع ابنته الصغيرة تسأل أمها بصوت خافت: “هو إحنا يا ماما ربنا ناسينـا؟”
ارتجف قلبه.
تظاهر بالنوم حتى لا ترى دموعه.
وفي صباح اليوم التالي، خرج يبحث عن عمل.
ظل ساعات طويلة تحت الشمس، حتى ناداه رجل كان قد عمل عنده منذ شهور، وأعطاه أجرًا قديمًا نسيه.
أمسك سالم المال بيد مرتعشة.
كان المبلغ بالنسبة لغيره قليلًا…
لكنه بالنسبة له كان نجاة.
كان يستطيع شراء دواء زوجته، أو طعام يكفي أبناءه لأيام، أو ملابس جديدة تجعل أطفاله يشعرون أنهم مثل بقية الأطفال.
لكنه سار طويلًا حتى وصل إلى سوق الأضاحي.
وقف هناك ينظر إلى الناس والخراف، ثم اشترى أضحية صغيرة بالكاد يقدر على ثمنها.
ضحك بعضهم وقالوا: “الفقير يريد أن يصبح كريمًا!”
لكنهم لم يسمعوا ما كان يقوله قلبه: “أنا لا أملك شيئًا… وكل ما في يدي هو مال الله.”
وجاء يوم العيد.
ذبح أضحيته، وكانت زوجته تنظر إليه بصمت، تعرف أن البيت محتاج لكل قطعة لحم.
جلس سالم أمام اللحم طويلًا…
ثم بدأ يقسمه.
جزء صغير لأطفاله، والباقي وضعه في أكياس قديمة وخرج.
كان يطرق أبواب البيوت التي يعرف أن الفقر يسكنها بصمت…
بيوتًا لا يسأل عنها أحد.
حتى وصل إلى بيت قديم في آخر الزقاق.
طرق الباب بهدوء.
فتحت امرأة أرملة، وخلفها طفلان نحيلان، عيناهما غارقتان في الجوع.
ناولها اللحم وقال: “دي أضحية العيد… رزق من ربنا.”
نظرت المرأة إلى الكيس، ثم انفجرت بالبكاء.
قالت وهي ترتجف: “أول مرة يدخل بيتنا لحم من سنة…”
وفي تلك اللحظة، رأى سالم الطفل الصغير يحتضن كيس اللحم كأنه يحتضن الدنيا كلها.
هنا فقط… انكسر قلبه.
عاد إلى بيته بقدمين متعبتين وقلب يرتجف.
وفي الطريق، بكى.
بكى لأنه فقير.
وبكى لأن هناك من هو أفقر منه.
وبكى لأن الإنسان لا يعرف حجم نعم الله إلا حين يرى حرمان الآخرين.
دخل بيته، فركض أطفاله نحوه يسألونه: “بابا… وزعت اللحمة؟”
ابتسم رغم دموعه وقال: “آه يا حبايبي… وزعنا رزق ربنا.”
في تلك الليلة، ناموا بلا شبع كامل…
لكن سالم نام لأول مرة منذ سنوات وقلبه مطمئن.
لأنه فهم الحقيقة التي لا يفهمها الكثير:
أن الله لا ينظر إلى ما في اليد…
بل إلى ما في القلب.
وأن بعض الفقراء، رغم جوعهم، يملكون من الرحمة ما لا يملكه أثرياء العالم كله.
وفي منتصف الليل، بينما الجميع نائم، كان سالم جالسًا ينظر إلى السقف المتشقق، يفكر كيف سيمر ما تبقى من الشهر، وكيف سيواجه الغد بلا مال ولا طعام.
لكن رغم كل ذلك… كان داخله هدوء غريب.
وكأن قلبه يهمس له: “الذي أطعَم عباد الله… لن يتركك.”
وفي صباح اليوم التالي، سمع طرقًا على الباب.
فتح سالم، فوجد رجلًا كبيرًا في السن يحمل أكياس طعام وبعض الأموال.
قال الرجل: “أنت سالم؟”
أومأ متعجبًا.
فقال الرجل وعيناه ممتلئتان بالدموع: “الست الأرملة اللي اديتها اللحمة امبارح… فضلت تدعيلك طول الليل. وأنا أخو جوزها، كنت مسافر بقالى سنين ولسه راجع. لما عرفت اللي عملته، حسّيت إن لازم أجيلك.”
حاول سالم أن يرفض، لكن الرجل أمسك يده وقال: “إوعى تكسفني… ده رزق ربنا ليك.”
ثم أضاف: “الدنيا لسه بخير طول ما فيها ناس زيك.”
أغلق سالم الباب، ونظر إلى الطعام والمال، ثم جلس على الأرض يبكي.
لكنها لم تكن دموع قهر هذه المرة…
كانت دموع عبد رأى بعينيه كيف يجبر الله القلوب المنكسرة.
مرت الأيام، وبدأت أبواب الرزق تُفتح له من حيث لا يحتسب.
صار يجد العمل بعد أن كان يبحث عنه، واستطاع علاج زوجته، وعادت الضحكة إلى بيت كان يسكنه الصمت.
وذات ليلة، بينما كان أطفاله يضحكون حوله، رفع سالم عينيه إلى السماء وقال:
“يا رب… أنا تصدقت بمالك، فعوضتني من كرمك.”
ثم بكى طويلًا…
لأنه أدرك أخيرًا أن الله لا ينسى عباده أبدًا.
وأن اليد التي تعطي لله وهي محتاجة…
يملؤها الله من رحمته حتى تفيض.





إرسال تعليق