لا يمكن لأي مجتمع أن يتحدث عن التنمية أو جودة الحياة أو حماية المواطنين بينما تظل مخازن الخردة والمواد القابلة للاشتعال منتشرة وسط الكتل السكنية وبين المنازل المأهولة بالسكان. فالمشكلة لم تعد مجرد مخالفة إدارية أو نشاط تجاري غير منظم، بل أصبحت قضية أمن وسلامة عامة تمس حياة آلاف الأسر في محافظة الجيزة.
في العديد من المناطق، يعيش المواطنون يوميًا بجوار أكوام من المعادن المستهلكة والمخلفات الصناعية والمواد سريعة الاشتعال، دون ضمانات كافية تمنع وقوع كارثة قد تبدأ بشرارة صغيرة وتنتهي بخسائر بشرية ومادية جسيمة. ومع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، تزداد احتمالات اندلاع الحرائق، لتتحول هذه المخازن إلى قنابل موقوتة تهدد الأحياء السكنية في أي لحظة.
الأخطر من ذلك أن بعض هذه المخازن أُنشئت داخل مناطق لم تُخصص أصلًا لهذا النشاط، وأصبحت محاطة بالمباني السكنية من جميع الاتجاهات، ما يجعل عمليات الإطفاء والإنقاذ أكثر صعوبة حال وقوع أي حادث. كما أن الأدخنة والملوثات الناتجة عن عمليات التخزين أو الحرق العشوائي تمثل تهديدًا مباشرًا لصحة الأطفال وكبار السن وأصحاب الأمراض الصدرية.
إن الحفاظ على أرواح المواطنين لا يجب أن ينتظر وقوع الكارثة. فالدولة التي تنفذ مشروعات قومية عملاقة وتعمل على تطوير البنية التحتية قادرة أيضًا على مواجهة هذه الظاهرة من خلال خطة متكاملة تشمل الحصر الدقيق للمخازن المخالفة، وتطبيق اشتراطات الحماية المدنية، ونقل الأنشطة الخطرة إلى مناطق مخصصة بعيدًا عن التجمعات السكنية.
ولا بد من التأكيد على أن القضية ليست مواجهة مع أصحاب هذه الأنشطة، بل هي محاولة للوصول إلى معادلة تحقق التوازن بين استمرار النشاط الاقتصادي وحماية المواطنين. فالتنظيم أفضل من العشوائية، والالتزام بالقانون يحمي الجميع دون استثناء.
إن أهالي الجيزة لا يطلبون المستحيل، بل يطالبون بحقهم الطبيعي في العيش داخل بيئة آمنة لا تهددها الحرائق أو الانفجارات أو التلوث. ومن حق كل أسرة أن تشعر بالاطمئنان على أطفالها ومنازلها وممتلكاتها، بعيدًا عن مصادر الخطر التي كان من الممكن معالجتها قبل أن تتحول إلى مأساة.
إن التحرك السريع والحاسم لمواجهة مخازن الخردة المخالفة لم يعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها المسؤولية الوطنية والإنسانية. فالكوارث لا تعطي إنذارًا مسبقًا، والحكمة الحقيقية تكمن في إزالة أسباب الخطر قبل وقوعه، لا في البحث عن الحلول بعد فوات الأوان.
حماية أرواح المواطنين مسؤولية لا تحتمل التأجيل، وأمن الأحياء السكنية في الجيزة يجب أن يكون أولوية تتقدم على أي اعتبارات اخرى.





إرسال تعليق